محمد سعيد رمضان البوطي

23

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

عقولهم . فتنادوا فيما بينهم إلى التحرر من كل عقيدة غيبية لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث ، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانية . فكان أن قاموا بما أسمي فيما بعد بالإصلاح الديني . واقتضى منهم ذلك ، أمورا عديدة ، منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها ، واعتماد منهج جديد في تحليلها ، يتفق وما قصدوا إليه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول . ولقد كان لهم في الطريقة الذاتية في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه . وبدأت تظهر كتب وكتابات في السّيرة النّبوية ، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه ، طريقة الاستنتاج الشخصي ، وميزان الرّضا النفسي ، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة ، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلّف . واعتمادا على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون ، كل ما قد يخالف المألوف ، مما يدخل في باب المعجزات والخوارق ، من سيرته صلّى اللّه عليه وسلم . وراحوا يروجون له صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها ، شغلا للقارئ بها عن صفات قد تجره إلى غير المألوف من النّبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية النّبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويعدّ كتاب ( حياة محمد ) لحسين هيكل أبرز نموذج لهذا الاتجاه في كتابة السّيرة النّبوية . ويعبر مؤلّفه عن اتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول : « إنني لم آخذ بما سجلته كتب السّيرة والحديث ، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية » ! . . ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة في كتابة السّيرة وفهمها ، تلك المقالات المتتابعة التي نشرها المرحوم محمد فريد وجدي في مجلة نور الإسلام تحت عنوان : ( السّيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة ) والتي يقول في بعض منها : « وقد لاحظ قرّاؤنا أننا نحرص فيما نكتبه في هذه السّيرة ، على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز ، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التّكلف » . ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التي ظهرت لطائفة من المستشرقين عن حياة سيّدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، في نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التي قامت على المنهج الذاتي الذي ألمحنا إليه آنفا . إنك لتراهم يمجدون شخص محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة ، ولكن بعيدا عن